محمود بن حمزة الكرماني
104
البرهان في متشابه القرآن
سنام « 1 » القرآن وأوله بعد الفاتحة : حسن دخول « من » فيها ليعلم أن التحدي « 2 » واقع على جميع سور القرآن من أوله إلى آخره .
--> فيما رواه ابن قتيبة والبيهقي ، أو قبله بنحو خمس وثلاثين ليل حسب رواية الواقدي . ( 1 ) هو من أسماء سورة البقرة كما جاء في الحديث الشريف الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن معقل ابن يسار عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « البقرة سنام القرآن وذروته » . والترمذي عن أبي هريرة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « لكل شئ سنام وإن سنام القرآن البقرة » ، قال الهيثمي في مجمع الزوائد : وأخرجه الطبراني وأبو حاتم وابن حبان في صحيحه وأخرجه الدارمي عن ابن مسعود في فضائل القرآن : 2 / 447 . ( 2 ) تدرج التحدي حسب نزول آياته : أ - بدأ بمطالبتهم بالإتيان بكتاب من عند اللّه تعالى هو أهدى مما أوتى موسى ومن القرآن الكريم : قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ سورة القصص الآية : 49 . ب - إعلامهم بأن العالمين مجتمعين لا يستطيعون الإتيان بمثل هذا القرآن وهو تحد عام للإنس والجن : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً سورة الإسراء الآية : 88 . وكان هذا توطئة للانتقال بهم إلى تحديهم بسور منه . قال ابن عبد البر : كان بين الإسراء والهجرة سنة وشهران . ج - التحدي في الإتيان بسورة مثله والاستعانة بمن استطاعوا من دون اللّه عز وجل : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ سورة يونس الآية : 38 . د - التحدي بعشر سور مثله مفتريات كما زعموا : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ سورة هود الآية : 13 . ولما كانت سورة هود قد نزلت بعد مضى عشر سنوات للبعثة فناسب تحديهم بعشر سور : أي سورة في مقابل كل سنة ، وكان عدد السور التي نزلت خلال هذه السنوات العشر [ خمسين سورة ] مكية . ولما كان التحدي في الإتيان بالمماثلة مطلقا أضيق عليهم ، وسع عليهم في سورة هود وقابل دعواهم لافتراء بمطالبتهم بسور مثله مفتريات وأطلق لهم الاستعانة بمن شاءوا من دونه عز وجل . ه - التحدي في الإتيان بحديث مثله وهو آخر تحد نزل بمكة : أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ . فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ . أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ . أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ سورة الطور الآيات : 33 - 36 . والالتفات في هذا التحدي إلى منكري الكتب الإلهية أشد ولذا قال بعده : أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ الآيات . و - إعلام للعالمين بعجزهم عن الإتيان بمثل القرآن وهذا الإعلام ختم التحدي في أول سورة نزلت بالمدينة . وهذا الختم جاء بعد أن استقصت آيات التحدي جميع صوره التي يزول معها كل عذر في عدم الاستجابة له وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ سورة البقرة : 23 والالتفات في آية طولى الزهراوين إلى أهل الكتاب أشد لأن ادعاء القدرة على الإتيان بالمثل صادر عنهم لاعتقادهم أن ذلك ممكن من كتب العهدين القديم والجديد . ولا يتصور ادعاء وجود المثل إلا من معترف بالكتب الإلهية منكر للقرآن العظيم . وهنا نكتة إعجاز فاتت على الكثيرين ، وهي أن الإتيان بسورة يتطلب وجود المثل الذي انتزعت منه السورة ، وهو ما لا تطيقه جميع